قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة الرابعة عشرة)

قِصةُ أَصْحَابِ الرس

 

 

قِصةُ أَصْحَابِ الرس

 

(وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا)

مع تتبُّع أحوال تلك الأمم الضالّة نرى وجه مشابَهةٍ بينهم من حيث السلوك ومن حيث الردِّ على أنبياء الله، فهم يتذرّعون بأنهم وجدوا الآباء والأجداد تعبد تلك الأوثان وقد تبعوهم، ويتهمون كل نبيٍّ يأتيهم بالحق، وليس ذلك من أجل آلهتهم أو عبادة تلك الآلهة، بل من أجل بعض المصالح والمطامع وخصوصاً لدى الملوك والكهنة الذين كانوا يستفيدون من القرابين التي تُقدَّم لأوثانهم، ولو لم يكن الزمان مختلفاً بين أمّةٍ وأخرى لقيل بأنهم متفقون على نصٍّ واحد، ومن الطبيعي أن يكون نصّهم الشيطاني واحداً لأن كل ذلك ناجم عن وسوسة إبليس الذي علّمهم طريقة موحَّحة لصد الأنبياء والوقوف في وجه رسالات السماء.

أما أصحاب قصتنا فهم قومٌ سكنوا اثنتي عشرة قريةً على ضفاف نهر الرّس، والرّس هو البئر الذي لا تحيط به الأحجار(أي ليس لفتحته سور) وقد أُطلق عليهم هذا الإسم لأنهم رسّوا نبيّهم في بئر وقتلوه جوعاً وعطشاً.

ولم يصرّح القرآن باسم نبيّهم وإن كانت بعض الأخبار أشارت إليه، ولكن لا حاجة إلى معرفة الإسم ما دام المعنى قد عُلم فإن البحث عن حقيقة الإسم يحتاج إلى عناء كبير وربما نصيب وربما نخطئ ونتحمّل تبعات الخطأ، ولو كان في ذكر اسمه فائدة لذكره الله تعالى.

وكانوا يعبدون شجرة صنوبر زرعها يافث بن نوح، وراحوا يعظّمونها ويقدسونها حتى عبدوها من دون الله عز وجل، والشيطان يزيّن لهم أعمالهم، وقد غرسوا في كل قرية شجرة وأُمروا بعبادتها من قِبل الحاكم الظالم والكهنة الذين كانوا بستفيدون من القرابين التي تُقدّم لتلك الأشجار.

وقد عيّنوا لكل شجرة عين ماء تسقيها وحرّموا الشرب منها، وكان عقاب من يشرب منها الموت.

وقد ورد أنهم قتلوا كثيراً من الرجال والنساء والأطفال ورعاة الماشية بحيث لو شردت نعجة من راعيها وشربت من النهر أو العين المخصَّصة لسقاية الشجرة كانوا يقطعون رأسه.

وكانوا يقيمون احتفالاً لها في كل شهر، وكان عيداً مقدّساً في نظرهم ويجب أن يحضره الجميع، وكانوا يذبحون الماشية ويشوون لحمها حتى يتصاعد دخان الشواء إلى السماء، فإذا اكتظّ الجو بالدخان بحيث لم تعد الشجرة ظاهرة لكثافته اعتبروا ذلك علامة على رضا الشجرة عنهم.

وقيل كان الشيطان يحرك أغصان تلك الشجرة ويبثّ في عقولهم أنّ ذلك علامة رضا الشجرة الإلهة عنهم، وكان كلما حدث ذلك تمسكوا بعبادتها أكثر حيث وجدهم الشيطان خفافاً فاستعملهم للعصيان.

وقد ظلموا وفسدوا وأفسدوا كثيراً وقتلوا حتى لم يَعُد الأمر يطاق، هذا ونبيُّهم ينهاهم عن الظلم ويدعوهم إلى الحق، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان كما فعل الكثيرون ممن كان قبلهم.

لقد بعث الله فيهم نبياً يدعوهم إلى الحق والهدى حتى لا يكون لهم حُجّةٌ على الله يوم القيامة، والله سبحانه لا يعذّب قوماً إلا بعد إلقاء الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم، فكانوا يسخرون منه ومن دعوته، وكان هذا النبي لا يكل ولا يمل من دعوتهم رغم تهديداتهم المتكررة له.

ولما يئس النبي منهم ورأى كيف أنهم متمسكون بالشرك توجّه إلى الله بالدعاء على تلك الأشجار التي تُعبَد من دونه فاستجاب له ربه فاحترقت كل أشجارهم المقدسة في ليلة واحدة، وفي الصباح أتوا كالعادة لأخذ البَرَكة منها وإذا بها يابسة جافة بعد أن كانت بالأمس مخضرّة فظنوا بأن أحداً تجرأ عليها وأحرقها، وقد علم الملِك بذلك فجال على القرى الإثنتي عشرة فوجد كل أشجارها كالشجرة الأم يابسة، فأيقن بأنها معجزة فعلها النبي، وبدَل أن يؤمن به قرر أن يتخلص منه حتى تخلو له الساحة ليفعل ما يشاء ويتحكم بعقول قومه كما يريد دون أن يردعه أحد.

وبعد ذلك انقسم الناس إلى فئتين: فئةٌ قالت بأنَّ الأشجار يبست لأنها غاضبة على هذا النبي وذلك من باب تأليب الرأي العام عليه، وقسمٌ قالوا إنّ هذا النبي سحرها ليصدنا عن عبادتها، وفي كلتا الحالتين سلّطوا الأنظار على نبيّهم وحمّلوه مسؤولية ما جرى.

وبدل أن يذعنوا للحق ويؤمنوا بصدق النبي ودعوته حفروا له بئراً وسط المياه محكمة البناء لا يدخل الماء إليها ورموا النبي فيها وأحكموا إخلاقها بصخرة كبيرة حتى يموت جوعاً وعطشاً، ففعلوا ذلك وهم فرحون وقتلوا نبيَّهم بدمٍ بارد.

وبالفعل لقد دفع هذا النبي حياته ثمناً لدعوة الناس إلى الهدى كما فعل غيره من الأنبياء(ع) الذين قدّموا أرواحهم في سبيل إثبات التوحيد بين الأمم والشعوب.

لقد ظنّ هؤلاء بأنهم انتصروا على عدوّهم، ولكن الحقيقة هي أنهم قتلوا أنفسهم عندما تجرؤوا على قتله وهم لا يشعرون.

وجاء أمر الله تعالى غضباً لروح هذا النبي فأظلهم بغمامة سوداء حملت لهم العذاب الأليم حيث اشتعلت الأرض من تحتهم وأبادتهم جميعاً فأصبحوا بذلك عبرة لمن يعتبر.

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى